الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

149

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقيل أريد به اليهود والنصارى : فاليهود كما علمت ، والنصارى آمنوا بعيسى ثم كفروا فعبدوه وألهوه ثم ازدادوا كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وتأويل لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إما أنه كناية عن أنهم لا يتوبون فتقبل توبتهم كقوله تعالى : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [ البقرة : 48 ] أي لا شفاعة لها فتقبل وهذا كقول امرئ القيس . على لاحب لا يهتدى بمناره أي لا منار له ، إذ قد علم من الأدلة أنّ التوبة مقبولة ودليله الحصر المقصود به المبالغة في قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ . وإمّا أنّ اللّه نهى نبيه عن الاغترار بما يظهرونه من الإسلام نفاقا ، فالمراد بعدم القبول عدم تصديقهم في إيمانهم ، وإما الإخبار بأنّ الكفر قد رسخ في قلوبهم فصار لهم سجية لا يحولون عنها ، فإذا أظهروا التوبة فهم كاذبون ، فيكون عدم القبول بمعنى عدم الاطمئنان لهم ، وأسرارهم موكولة إلى اللّه تعالى . وقد أسلم بعض اليهود قبل نزول الآية : مثل عبد اللّه بن سلام ، فلا إشكال فيه ، وأسلم بعضهم بعد نزول الآية . وقيل المراد الذين ارتدّوا من المسلمين وماتوا على الكفر ، فالمراد بالازدياد الاستمرار وعدم الإقلاع . والقول في معنى لن تقبل توبتهم كما تقدم . وعليه يكون قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا توكيدا لفظيا بالمرادف ، وليبنى عليه التفريع بقوله : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وأياما كان فتأويل الآية متعين : لأنّ ظاهرها تعارضه الأدلة القاطعة على أنّ إسلام الكافر مقبول ، ولو تكرّر منه الكفر ، وأنّ توبة العصاة مقبولة ، ولو وقع نقضها على أصح الأقوال وسيجيء مثل هذه الآية في سورة النساء [ 137 ] وهو قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا . [ 91 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 91 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 91 ) استئناف لبيان حال الكافرين الذين ماتوا على كفرهم ، نشأ عن حكم فريق من الكفار تكرّر منهم الكفر حتى رسخ فيهم وصار لهم ديدنا . وإن كان المراد في الآية السابقة من الذين ازدادوا كفرا الذين ماتوا على الكفر ، كانت هذه الآية كالتوكيد اللفظي للأولى